إن الدعوة دعوة إلى سبيل الله، لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته
إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة، ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
إلا أنه يؤدي واجبه لله، لا فضل له يتحدث به، لا على الدعوة، ولا على من يهتدون به، وأجره بعد ذلك على الله.
وعلى الداعي إلى الله ألَّا يحزن إن لم يستجب له القوم في دعوته، وألا يجهد نفسه
في الجدل، فإن الله سبحانه وتعالى أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، فلا
ضرورة لِلَّجاجَةِ في الجدل.
في الجدل، فإن الله سبحانه وتعالى أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين، فلا
ضرورة لِلَّجاجَةِ في الجدل.
إن أعداء الدين لا يدخرون جهدًا في إثارة الافتراءات والشبهات حول الإسلام العظيم، وهم يعملون عملًا منظمًا، ومن خلال دراساتٍ وخططٍ وتجاربَ وبحوث، حتى صار الافتراء على الإسلام علمًا يُدرّس، مثلًا، في كليات اللاهوت ومراكز التنصير، ويحظى المنصّرون بتدريب مدروس في كيفية طرح الافتراء وإثارة الشبهات.
لذلك فمن الواجب أن يكون الردُّ على افتراءات أولئك المرجفين عِلمًا يدرُسه المختصون وطلاب العلم؛ لا سيما المهتمون منهم بمقارنة الأديان، وكذلك يدرسُه كل المهتمين بمواجهة الحملات المسعورة التي يشنها الأعداء لتشويه الإسلام، بحيث تخرج الردود على قدر كبير من الإجادة والإتقان، وتحقق المقصود منها؛ وهو إجهاض الفرية والقضاء على كل أثر لها.
كيفية الرد على الشبهات:
أولًا: النظر في صحة مقدمات السؤال لهدم النتائج:
فكثيرًا ما يُلقي المفتري افتراءه في صيغة سؤال مشتمل على مغالطة؛ كقوله مثلًا: ما الحكمة من زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من عائشة رضي الله عنها وهي طفلة؟
والمغالطة هنا هي قول المفتري (وهي طفلة)، فهي رضي الله عنها لم تكن طفلة وقت زواجها من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ بل كانت امرأة بلغت مبلغ النساء.
فإذا شرع المسلم في رده ببيان الحكمة من زواج الرسول من عائشة رضي الله عنها دون بيان ما في السؤال من مغالطة، ربما ظن البعض أن ذلك إقرار ضمني بصحة مقدمة السؤال.
ثانيًا: النظر في صحة الدليل:
إذا اشتمل الافتراء على دليل فلا بد من التحقق من صحة الدليل متنًا وسندًا قبل الشروع في الرد، فلو كان الدليل، مثلًا، آية من القرآن، فينظر في صحة نقل لفظ الآية، فقد يخطئ المفتري، عن عمد أو جهل، في نقل نص الآية، وكم أَكثرَ النصارى من التحريف وقَوَّلوا القرآن ما لم يقل.
وإذا كان الدليل حديثًا فيبحث أولًا في صحة الحديث وثبوته، ثم يبحث في صحة نقل المتن، وكم صدَّع المرجفون رءوسنا بالأحاديث الموضوعة والواهية، وأرادوا إقامة الحجة علينا بتلك الأحاديث الشنيعة والضعيفة.
وإذا كان هذا الدليل تاريخيًا أو علميًا فيجب النظر في صحته في المصادر المعتبرة، ومطالعة أقوال أهل الاختصاص لمعرفة مدى ثبوته، فكم من مرة حاول المرجفون إقامة الحجة على المسلمين بالإسرائيليات والأحداث الخرافية، وليس لها من مسوغ سوى ورودها في كتب المسلمين، ونسي هؤلاء أن مصدرا التشريع عندنا هما القرآن والسنة الصحيحة، ولا تقام علينا الحجة بآراء العلماء وأقوالهم إلا إذا وافقت القرآن والسنة.
ثالثًا: النظر في صحة الاستدلال:
من أبرز طرق المفترين الإتيان بنصوص صحيحة، والاستدلال بها على معانٍ فاسدة لا يحتملها النص، وربما جمعوا بين سوأَتَي ضعف الدليل وفساد الاستدلال؛ ولذلك ينبغي، بَعدَ النظر في صحة الدليل، أن نبحث في مدى صحة الاستدلال، وهل تحتمل دلالةُ النصِّ المعنى الذي يقصده المفتري أو لا؟
رابعًا: تحديد موطن الشبهة:
من الضروري فهم موطن الشبهة، وتحديد ما يرمي إليه المفتري من طرح فريته بالضبط؛ حتى يكون الرد موجهًا لأصل الافتراء، وموظفًا في إزالة أي شبهة قد تقع من جراء طرح الفرية.
علي سبيل المثال: حين يطرح المفتري موضوعَ رضاع الكبير في الإسلام، فإن ما يرمي إليه هو تصوير أحكام الإسلام بالإباحية، وأنها تجيز لأي امرأة مسلمة أن تلقم ثديها لأي رجل.
لذلك يجب أن يتجه الرد في الأساس إلى بيان عدم جواز التقام الثدي في رضاع الكبير، ثم بيان عدم شمول الحكم لكل رجل، أما إذا ارتكز الرد على مناقشة الخلاف في اختصاص حكم رضاع الكبير بسالم مولى أبي حذيفة، فهذا خروج عن المطلوب، وعدم توفيق في إصابة موطن الفرية.
خامسًا: اختيار الأسلوب المناسب للرد على الافتراء:
الرد على الشبهات بالحجة والبرهان، مؤيَّدًا بالدليل الصحيح، وفق ضوابط وآداب الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.
ومما يجب الإشارة إليه أن هناك عدة عوامل تتحكم في اختيار الأسلوب المناسب للرد على الافتراء، منها:
1- مستوى الشخص المخاطَب بالرد: فينظر إلى مستواه الثقافي والفكري، ومنزلته بين قومه وحاله النفسي، فأسلوب مخاطبة المسلم بالرد يختلف عن أسلوب مخاطبة الكافر...
2- طبيعة الافتراء نفسه: فيصنف بحسب ما أسلفنا، وما مدى درجة التمكن من الرد وعدمه، وهل يقتضي المقام مقدمات أو لا يحتاج الأمر إلا لجملة واحدة تنهي الموضوع، فطبيعة الفرية تحكم على اختيار التطويل والإيجاز، وله علاقة بمستوى المردود عليه ...
3- المقام الذي سيتم فيه الرد: هل يتوفر الراد على ما يكفي من الأدلة، وهل هو واثق من معلوماته؛ لأنه بتسرعه قد يفتح على نفسه بابًا آخر من أبواب التضييق وتحكم الخصم فيه بإيراده لمعلومة خاطئة أو ما شابه، والأساليب تختلف بحسب المقام، فالمناظرة ليست هي المحاضرة، والتعقيب ليس هو السؤال، والرد الكتابي يختلف عن الرد الشفوي، وهكذا.
فقد تجد من يحسن الرد الكتابي، وإذا تعلق الأمر بالشفوي لم يستطع إلى ذلك سبيلًا، وقد تجد الخطيب المفوه لا يستطيع أن يكتب ردًا واحدًا، وكل بحسب مجاله وميدانه.
لكن، والحق يقال، إن التوفيق والنجاح يكونان في اختيار الأسلوب الأمثل والمناسب، المراعي لظروف الزمان والمكان.
سادسًا: تفنيد الافتراء بقوة مع الاهتمام بإزالة موطن الشبهة:
إذا عُرِض الافتراءُ أو الشبهة فيجب أن يكون همك الأول هو المسارعة إلى القضاء على هذا الافتراء، واجتثاثه من أصوله بكل طريق ممكن، وإذا تعددت الردود على الفرية الواحدة، فالأَولى أن تبدأ بأقوى هذه الردود، وهو الرد الذي تشعر أنه سيقضي على الفرية من الوهلة الأولى، بحيث يكون ما تبقى من الرد نافلة تؤكد تهافت الفرية، ويجب الحرص على خلو الرد من أي ثغرة يمكن للمفتري اصطيادها، والنفاذ من خلالها إلى إعادة إثارة الافتراء نفسه مرة أخرى، أو إثارة افتراء غيره.
سابعًا: مكامن القوة في رد الشبه:
1- أن يكون موجهًا لموطن الافتراء وأصل الشبهة:
لكي لا يعتبر الخصم ذلك هروبًا وتركًا للموضوع الأصلي، وتشبثًا بأهداب الفرار.
2- قوة الدليل ووضوحه، مع حسن الاستدلال به، فقوة الدليل تقضي على أحلام الخصم، وتكون سببًا في اقتناع الآخرين، والتعجيل بهزيمة المخالف؛ إذ الحق لا يُعلى عليه.
3- دقة وضبط العبارات والألفاظ؛ لكي لا يدع المسلم مجالًا للخصم ليناور أو يراوغ أو يلعب بالعبارة العامة التي أوردها المسلم، فيحملها معان أخرى، فيسقط المسلم في حيص بيص.
4- أن يظهر ما في الفرية من ثغرات وأخطاء ومغالطات؛ إذ الإظهار جزء من المعركة، فمن لم يستطع الوقوف على مكامن الأخطاء والثغرات صعب عليه أن يهزم خصمه، أما من وقف عليها كان ذلك سببًا في إرباك خصمه؛ مما يؤدي إلى هزيمته وانسحابه.
ثامنًا: حسن الاستدلال على الردود:
من الضروري أن يشتمل الرد على أدلة واضحة تبين صدقه من جهة، وتبين بطلان الفرية وتهافتها من جهة أخرى، وتتنوع هذه الأدلة بين شرعية وعلمية وعقلية ولغوية وتاريخية وغير ذلك، بحسب نوع الفرية وموضوعها.
ومن المهم أن نحشد مجموعة الأدلة المتعلقة بالموضوع، ثم نقوم بترتيبها وتنظيمها، ونختار أقوى هذه الأدلة ثبوتًا، وأظهرها دلالة، وأكثرها تعلقًا بالموضوع، ونقدمها على غيرها، مع توثيق هذه الأدلة بعزوها إلى مصادرها.
ومن المفيد إظهار موضع الشاهد من الدليل ووجه الدلالة منه، وتأييد ذلك بالنقل عن أهل الاختصاص من الكتب المعتمدة.
تاسعًا: بيان تهافت الافتراء وتفاهته:
يجب على المؤمن الذي يتصدى للرد على افتراء ضد الإسلام أن يكون على يقين من تهافت هذا الافتراء وبطلانه، وعليه أن يظهر هذا التهافت من خلال البحث عن ثغرات في مقدمة الافتراء، وفي أدلته، وفي صحة الاستدلال بها، وفي نتائج هذا الاستدلال.
وعليه أن يقوم بحصر جميع نقاط الضعف في الافتراء، ثم تنظيمها وترتيبها، ومن ثم يشرع في بيان كل نقطة منها بجلاء، مع موازنتها بعناصر القوة في الرد.
مثال هذه الطريقة:
قول المفتري: لماذا خالف النبي صلى الله عليه وسلم شرع الإسلام بأن زوَّج نفسه من زينب بنت جحش، زوجة ابنه زيد بن حارثة؟
فقد اشتمل الافتراء على مقدمات فاسدة، هي:
1- أن زيدًا بن حارثة كان ابنًا للنبي صلى الله عليه وسلم
2- أن زينب بنت جحش كانت زوجته حين تزوَّجها النبي صلى الله عليه وسلم.
3- أن النبي صلى الله عليه وسلم زوَّج نفسه بها.
4- أن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك قد خالف الشرع الذي جاء به.
والرد عليها كما يلي:
1- زيد بن حارثة ليس ابنَ النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه كان دعيَّه؛ أي: ابنه بالتبني، ثم ألغى الله التبنيَ، فلم يعد زيد ابنَه بأي وجه؛ قال الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب:40].
2- زينب بنت جحش رضي الله عنها لم تكن زوجة زيد بن حارثة رضي الله عنه حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم؛ بل كانت مطلقته.
3- النبي صلى الله عليه وسلم لم يزوِّج نفسَه من زينب بنت جحش رضي الله عنها، وإنما زوَّجها اللهُ تعالى له؛ فقد قال عز وجل: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا} [الأحزاب:37].
4- النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يخالف شرع الله؛ لأنه الذي يبلِّغ هذا الشرعَ، والشرع إنما يُعرف من جهته، وفعله صلى الله عليه وسلم دليل على المشروعية؛ ولذلك جاء زواجه صلى الله عليه وسلم من زينب بنت جحش رضي الله عنها ليزيل أي حرج في قلوب المؤمنين من الزواج من مطلَّقات أدعيائهم؛ قال الله تعالى: {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [الأحزاب:37].
فالأسلوب الأمثل في مواجهة هذه الطريقة التدقيق في مفردات السؤال، مع المطالبة بالدليل على كل جزئية.
منهجية التعامل مع الشبهات وقواعد دحضها:
فيما يلي بعض القواعد الهامة والأصول الرئيسة، التي ينبغي الأخذ بها والتعامل على أساسها في مواجهة الشبهات؛ وذلك ليتم التخفيف منها أو القضاء عليها أو الحد من آثارها، بخطوات منهجية، وأساليب علمية، بعيدة عن العواطف التي لا تقوم على علم، ولا يؤيدها عقل، ولا يسندها منطق.
يتبع

