عندما مات العصفوركنتُ:
أتصفحُ الكتابَ الذي أهداني إياه أحدُ الإخوةِ الأعزاء _ رحمه الله _،
والذي كتبه في حلّته القشيبة، والذي ضمّنه قصصًا لطيفةً جميلة، فيها من الدروس، والقيم، والعبر التي لا يستغني عنها
من أراد السلامةَ في هذه الحياة.
كنتُ أقرأ قصة "عندما مات العصفور"، كان بطلها "منصور"، ذاك الشاب الملتزم
الذي عشقه أهلُ قريته بعدما أفاض عليهم بأخلاقه.
ونالوا من فضله وعطائه، حين تعوّدوا منه سبقَ الزيارة،
وتلمّسَ حوائجَهم، اعتاد مبادرةَ التحية على الصغير والكبير، ولا
يستثني منهم أحدًا، فالمعيار عنده: "كلنا أولادُ آدم وآدمُ من تراب".
كان مع أهله ذاك النموذج الذي تشرئبُّ له أعناقُ الفقد،
لذاك الخلق العظيم الجم،
حين شحّ وجودُ أمثالِ من اكتسبوا تلك الخصال التي استنزفتها
المصالحُ في ظلال التكالب على نيل الغنائم من متاعٍ زائل!
مضمون القصة:
بعد تلك الشمائل التي رقّت "منصور" ليكون رمزًا لتلكم القرية الآمنة الصغيرة،
تغيّر الحال وتبدّل، بعدما هجم على قريته ذاك السيل "العرم"
الذي أطاح بالكثير
من المنازل، فهجرها أهلها، وييمّمون بوجوههم لمناطق أخرى يحقنون بها أرواحهم،
فقلّ وجود الناس هناك، وانشغل منصور بالبيت،
في ترميمه وإصلاح ما تلف منه.
بات بعد ذلك حبيسَ البيت بعد ذهاب الكثير،
وبقي يضاجع الهموم، ويناكف التفكير،
حتى أتته زوجته الحنون وأشارت عليه أن يبحث عن الأصدقاء الذين يخرجونه من حال عزلته.
تعرّف على "مطاوعة" _ مع تحفظي على التسمية _، فسار سيرتَهم، وبدأ يتأخر عن الرجوع إلى البيت،
فهجر بذلك أولاده! فما عاد ذلك الأب المثالي الذي كان المثالَ والقدوةَ لهم! وقام بتعنيف زوجته، حين أخذ يُسمعها الكلام الجارح،
ويبرز لها أن القِوامة له وبيده، وهو المتحكم بها!
فانقلب البيتُ السعيد، ليكون البيتَ الخرِب،
الذي ينعق على أعتابه غرابُ الشؤم الكئيب!
حتى ذاك العصفور الذي كان يتعاهده، ويسوق له الطعام،
ويضع له الماء، هجر عشَّه ونسِي أمره!
بدأ مع أصحابه الجدد لتبدأ تلك "التصنيفات للناس":
هذا "فاسد"، وذاك "طالح"، وهذه "سافرة"،
وتلك "متبرجة"!
ليكون السلامُ والتسليمُ على حسب مدى
"صلاحِ وفسادِ من يُلاقي" _ وطبعًا حكمُ الظاهر
هو الذي به يُلاسن ويُحاجَج _.
زوجته زينب:
تحاول جاهدةً أن ترده لصوابه، ليعود منصور ذاك
الذي يطيب الجرحُ من صفاته، ولكن بدون جدوى!
الناس:
استنكروا فعله، فما عادوا يرون ذاك الخلقَ
وتلك الابتسامة!
وفي يومٍ من الأيام، وهو واقف عند الشجرة، سقط ذاك
العصفور من أعلاها ميتًا، وكأن ماسًا كهربائيًا
قد هزّ كلَّ كيانه وكُلَّه _ أعني بذلك منصور _، لتكون العودةُ لذاك الصواب، فعاد
وهو يصرخ وينادي زوجته، ويحتضنها ويقبّل رأسها ويديها، معتذرًا منها
على كل ما بدر منه، معاهدًا نفسه وإياها أن يعود منصورَ الذي قتله بيده،
حين استمع لتلك الزمرة:
التي جعلت الدين مطيةً لنسف كل جسور التواصل بين الناس،
حين صنّفوا الناس _ بفعلهم وقولهم _، وحفروا بذلك خندقَ الإقصاء والتمييز،
متناسين بأن "الدين المعاملة"، وأن الأخلاقَ، وحسنَ الفعال
هي من تُقلب بها الموازينُ والمعادلة.
"انتهت القصة."
---
تعقيبي المتواضع على تلكم القصة:
ذاك:
الأسف... حين نتبعه بزفراتٍ من الأسى حين يكون المنطلقُ يتجاوز واقعَ الأمور،
من ذاك السواد الكثيف الكثيب من المخالفات الشرعية،
التي باتت تُصنّف من البديهيات ومن صغائر الأمور، مثل أن نجد ذاك التساهلَ في خروج بعض الخصلات من الشعر، أو ذاك الساعدَ الذي يبرز من بين ثنايا الثوب.
أعلم:
بأن بعض الأفعال لا تكون عن سابق قصد، ولكن الكثير حين تُبدي له
النصحَ يتضايق وينعتك بالتشدد وتعظيم القول!
ومع هذا:
كان للتعامل وحسن الطريقة إذا ما اقتضى الأمر ذلك الأثرُ في نفس
وقلب مرتكبِ ذاك الخطأ حين يُرسل له ورودُ الود من كلماتٍ تفتح له
الصدرَ ليغوص بنُصحه في سويداء القلب، ليكون القبولُ هو نتاجَ النصح،
لا:
أن يُبادَر بقصف الجبهات
وتحقيرِ ذاك الكيان ليَحسب نفسه
واقعًا في جحيم الموبقات!
من هنا:
كان الفارقُ والمخالفُ بين الأمرين
لمن أراد الرشد.
التدين:
ليس له بطاقةُ هويةٍ تكون بالصورة
والشكل، وإنما هو ما وقر في القلب
وصدّقه الفعل، وليس بالتمني،
أو بالدعوى والتجني!
ولا:
يعني أن تكون متدينًا أن تُحيط بنفسك بهالة القداسة،
وترى الناس من برجك العاجي على أنك المنزَّه،
وغيرك في الإثم واقع!!
ما:
أجمل الإنسانَ حين يحب لغيره ما يحب لنفسه،
من ذاك يكون مشفقًا على غيره،
يتمنى:
لهم الكمال وبلوغ الرشاد، يمدّ يد العون ويبسط له الوجهَ بجميل الابتسام،
بذاك يأسر القلوب، ويكون الفعلُ هو رسولَ السلام، مستغنيًا بذاك عن طويل الكلام.
لتبقى القاعدة:
"إنما الدين النصيحة،
إنما الدين المعاملة."
عن:
منصور، وعن حاله من قبل معرفته
"بتلك الزمرة"،
وبعد:
نستخلص أن الإنسان باستطاعته جنيُ الأجور، وطرقُ أبواب البر والخير، وهو على سجيته وأخلاقه،
من غير أن يكون له انتماء، وتبعيةٌ لمن لا يعلمون في الدين غير "رسمه"!
ليكونوا بذلك:
ذاك الحملَ الثقيل وذاك الوجهَ القبيح، لذاك المعنى العظيم،
ألا وهي "الاستقامة" في دين الله القويم.
أقول:
ما جرف منصورَ هو "جهله" في الدين حين جعل ما عظُم في صحائف أعماله
من عظيم الفعال، من صنوف الخير، على المحك لينسف كلَّ ما فعله في غمرة ذاك الجهل، وذاك التغييب عن الواقع
وعن مبادئ الدين.
الدين:
دينُ يُسر، وليس دينَ عسر، والدين لا يُساير الهوى،
بحيث يكون التحريمُ والتحليلُ منقادَين له،
في مقولة:
"الدين يُسر"!
فالبعض:
يجعلها شماعةً لينتهك بها ما الله أمر ونهى!
فالدينُ يُسر لا يعني أن أقعَ في المخالفات وأسترسلَ
في الموبقات، وأنا أتشدّق بتلكم الكلمات!
فلا يُقال:
بأن التمسك بتعاليم الإسلام هو "التشدد"!
التشددُ حين نهرع لكل عسير إذا ما وجد الأمرُ به سعة، فذاك
منهجُ رسول الله _ عليه الصلاة والسلام _ إذا ما خُيِّر "فإنه يختار الأيسر ما لم يكن حرامًا".
يُقال:
البعض للأسف يتخذ من هذا الدين شماعةً، ليظهر أمام الناس بوجه،
ويُخفي بباطنه وجهًا مغايرًا تمامًا، ليُبدي عكس ما يُبطن،
فلماذا النفاقُ في أمور الدين؟!
والرد عليه:
أن البعض يتترس ويتخندق
"بالتدين"
ليمرر خبثَ نواياه!
حين:
يصل الأمرُ بأحدهم أنه يرى كل أفعاله وأقواله لا يمكن أن تخضع
للخطأ، فذاك الوصولُ لدرجة الغرور التي تودي بصاحبها لدركات المهالك!
فقد أوصل نفسه لمرتبة العصمة، التي خصّها الله بخير خلقه من الرسل
والأنبياء المجتبين.
لتبقى الخاتمة:
"أن التدين هو رديف الأخلاق الحميدة
التي تُستقى من منبع ما الله أوجب وأمر".
المصدر:
منتديات ليالي قصيميه<hr size="1" style="color:#D1D1E1; background-color:#D1D1E1" />
uk]lh lhj hguwt,v
....الموضوع الأصلي