مقاصد سورة الحج
د. صغير بن محمد الصغير
أما بعد:[/b]
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ[/b] ﴾ [1]</b>
نعم[/b]».[2]</b>
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ [الحج: 19] إلى قوله: ﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ [الحج: 22][3]</b>، وعن ابن عباس أيضًا والضحاك وقتادة والحسن: أنها مدنية إلا آيات من قوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ ﴾ [الحج: 52] إلى قوله: ﴿ أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ ﴾ [الحج: 55] فهن مكيات[4]</b>، وقال جمهور العلماء: إن السورة مختلطة، فيها المكي والمدني، وهو الأصح؛ حتى قال بعض أهل العلم: إنها من أعاجيب السور؛ نزلت ليلًا ونهارًا، سفرًا وحضرًا، سلمًا وحربًا، ناسخًا ومنسوخًا، محكمًا ومتشابهًا.[5]</b>
أُذِنَ للذين يُقاتَلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ﴾[6]</b> قال أبو بكر: "فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَكُونُ قِتَالٌ"[7]</b>، وفيها ذكر الهجرة والإذن بالقتال وبشارة النصر والتمكين.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج: 1][8]</b>، فدلّ ذلك على أن منها ما نزل بعد الهجرة، زمن الأسفار والغزوات، ولذلك كانت هذه السورة جامعةً لأحوال الدعوة كلها، من استضعاف وتمكين، وهجرة وجهاد، وصبر ويقين.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ [الحج: 1]، وفيها الاستدلال على بطلان الشرك، ودعوة المشركين إلى الإقلاع عن المكابرة في الاعتراف بانفراد الله بالإلهية، والتحذير من اتباع وساوس الشياطين التي لا تغني عن أصحابها شيئًا في الدنيا ولا في الآخرة.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[/b] ﴾.[9]</b>
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[/b] ﴾[10]</b>، فالحج ليس حركاتٍ مجردة، ولا انتقالًا بين المشاعر فحسب، بل هو مدرسة عظيمة لتجريد التوحيد، وتعظيم الله، وكسر الكبر، وإظهار الافتقار إلى الرب سبحانه.
لا إله إلا الله[/b]".
خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير[/b]»[11]</b>. فهذه الكلمة هي أصل النجاة، وهي أعظم ما في الحج، وأعظم ما في القرآن، وأعظم ما جاءت به الرسل.
وفي السورة أيضًا[/b] تنظير للمشركين بالأمم البائدة الذين أعرضوا عن دعوة الرسل وكذبوا بها، فحل بهم العذاب، وتحذير لهؤلاء أن يصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم، فلا يغتروا بإمهال الله لهم؛ فإن تأخير العقوبة استدراج وإملاء، قال تعالى: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾.[12]</b>
وفيها الإذن للمؤمنين[/b] بالقتال بعد ما نالهم من الأذى والظلم والإخراج من الديار، مع الوعد بالنصر والتمكين، قال تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾[13]</b>، ثم ختمت السورة بتذكير الناس بنعم الله، وأن الله يصطفي من الملائكة رسلًا ومن الناس، وأنه سبحانه هو مولى المؤمنين وناصرهم.
الخطبة الثانية وبعد:
أيها الأخوة:[/b]ها هي العشر الأُوَل من ذي الحجة قد أقبلت، أيامٌ عظيمة أقسم الله بها في كتابه فقال: ﴿ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 2]، وهي أيام معلومات عظّم الله شأنها، وأمر بالإكثار من ذكره فيها، قال تعالى في سورة الحج: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾[14]</b>، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الأيام المعلومات: أيام العشر، والأيام المعدودات: أيام التشريق".[15]</b>
ما العمل في أيام أفضل منه في عشر ذي الحجة[/b]»، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يخرج رجل بنفسه وماله ثم لا يرجع من ذلك بشيء».[17]</b>
فيا عباد الله[/b]، إن من أعظم علامات توفيق الله للعبد أن يستعمله في الأزمنة الفاضلة بالأعمال الصالحة، وإذا أحب الله عبدًا وفّقه للطاعة، وأعانه على اغتنام مواسم الخير، وصرف قلبه عن أسباب الغفلة والحرمان، وإذا خذل عبدًا استعمله في المعاصي في أوقات الفضل؛ فتكون المصيبة أعظم، والخسارة أشد.
ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ[/b] ﴾[19]</b>.</b>
ومن تمام شكر هذه النعمة:[/b]الدعاء المبارك الصادق لكل من نذر نفسه لخدمة ضيوف الرحمن؛ من رجال الأمن، والعاملين الصحيين، والمنظّمين، والمتطوعين، وسائر الجهات التي سخّرها الله لخدمة الحجيج والسهر على راحتهم وأمنهم، فجزاهم الله خير الجزاء، وبارك في جهودهم، وأعانهم، وكتب أجرهم، وجعل ما يقدمونه في موازين حسناتهم.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيَّ يَوْمٍ ذَلِكَ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذَلِكَ يَوْمَ يَقُولُ اللَّهُ لِآدَمَ: ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ...»، أخرجه الترمذي (3168)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه أحمد في مسنده (19875)، وأخرجه الحاكم في المستدرك (3463)، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي.
[face=arial][9] [الحج: 6].[/face]
[face=arial][10] [الحج: 32].[/face]
[face=arial][11] أخرجه الترمذي (3585) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأخرجه مالك في الموطأ مرسلاً عن طلحة بن عبيد الله (500)، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي وفي السلسلة الصحيحة (1503).[/face]
[face=arial][12] [الحج: 48].[/face]
[face=arial][13] [الحج: 39].[/face]
[face=arial][14] [الحج: 28].[/face]
[face=arial][15] أخرجه البخاري، وذكره معلقاً مجزوماً به قبل الحديث (969)، ووصله الطبري بإسناده في تفسيره "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، تفسير سورة الحج (16/ 529)، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" موصولاً (10410).[/face]
[face=arial][16] أورده البخاري معلقاً مجزوماً به قبل الحديث (969)، وقد وصله بإسناده أبو بكر المروزي في كتاب العيدين، والفريابي في كتاب أحكام العيدين (صـ 119)، كما نصّ على ذلك الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/ 462).[/face]
[face=arial][17] أخرجه أبوداود (2438)، والترمذي (757)، وقال: "حديث حسن صحيح غريب"، وأخرجه ابن ماجه (1727)، وأحمد في مسنده (1968)، وأخرجه البخاري (969) بلفظ: «مَا العَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِهِ؟» قَالُوا: وَلاَ الجِهَادُ؟ قَالَ: «وَلاَ الجِهَادُ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ».[/face]
[face=arial][18] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ، وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ، فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعَرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا»، أخرجه مسلم (1977)، وأبو داود (2791)، والترمذي (1523)، وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وأخرجه ابن ماجه (3149).[/face]
[face=arial][19] [الحج: 32].[/face]
<font face="arial"><font size="5">
<font face="arial"><font size="5">
الموضوع الأصلي
.gif)
" />