من ضوابط الخطاب الفقهي الموجه للأقليات المسلمة </b>
الحرص على المصلحة في ضوء فقه الموازنات ومآلات الأفعال</b>
د. وائل عبدالمتعال شهاب نجم
"درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة"، و"مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد"، و"المصلحة الدائمة مقدمة على المصلحة الظرفية"، وغير ذلك من القواعد المنثورة في المدونات الأصولية والفقهية[1].
يقول الإمام الشاطبي - رحمه الله - في أهمية اعتبار مآلات الأفعال:
والدليل على صحته أمور:
أحدها: أن التكاليف - كما تقدم - مشروعة لمصالح العباد، ومصالح العباد إما دنيوية وإما أخروية، أما الأخروية فراجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم لا من أهل الجحيم، وأما الدنيوية فإن الأعمال إذا تأملتها مقدمات لنتائج المصالح، فإنها أسباب لمسببات هي مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، فاعتبارها في جريان الأسباب مطلوب، وهو معنى النظر في المآلات، لا يقال: إنه قد مر في كتاب الأحكام أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب؛ لأنا نقول وتقدم أيضًا أنه لا بد من اعتبار المسببات في الأسباب، ومر الكلام في ذلك والجمع بين المطلبين، ومسألتنا من الثاني لا من الأول؛ لأنها راجعة إلى المجتهد الناظر في حكم غيره على البراءة من الحظوظ، فإن المجتهد نائب عن الشارع في الحكم على أفعال المكلفين، وقد تقدم أن الشارع قاصد للمسببات في الأسباب، وإذا ثبت ذلك لم يكن للمجتهد بد من اعتبار المسبب، وهو مآل السبب.
والثاني: أن مآلات الأعمال إما أن تكون معتبرة شرعًا أو غير معتبرة، فإن اعتبرت فهو المطلوب، وإن لم تعتبر أمكن أن يكون للأعمال مآلات مضادة لمقصود تلك الأعمال، وذلك غير صحيح؛ لما تقدم من أن التكاليف لمصالح العباد، ولا مصلحة تتوقع مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد، وأيضًا فإن ذلك يؤدي إلى ألا نتطلب مصلحة بفعل مشروع، ولا نتوقع مفسدة بفعل ممنوع، وهو خلاف وضع الشريعة كما سبق.
والثالث: الأدلة الشرعية والاستقراء التام أن المآلات معتبرة في أصل المشروعية؛ كقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]، وقوله: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ [البقرة: 188] الآية، وقوله: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ [الأنعام: 108] الآية، وقوله: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ﴾ [النساء: 165] الآية، وقوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216] الآية، وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ [البقرة: 179].
تزويج المرأة نفسها:
أما الثيب الكبيرة - فإنها وإن كانت لا تلي عقد نكاحها بنفسها عند الجمهور - إلا أنه لا يجوز تزويجها بدون إذنها ورضاها[11]؛ لما روت الخنساء بنت خذامٍ الأنصارية أن أباها زوجها وهي ثيبٌ، فكرهت ذلك، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فردَّ نكاحه[12]، ولحديث: ((الثيِّب أحق بنفسها من وليها))[13].
أما الحنفية: فإنه لا يجوز عندهم إجبار البالغة على النكاح، بكرًا كانت أم ثيبًا، ولها أن تعقد النكاح بنفسها، ففي الهداية: ينعقد نكاح الحرة العاقلة البالغة برضاها، وإن لم يعقد عليها ولي، بكرًا كانت أو ثيبًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه لا ينعقد إلا بولي، وعند محمدٍ ينعقد موقوفًا، ووجه الجواز: أنها تصرفت في خالص حقها وهي من أهله؛ لكونها عاقلةً بالغةً مميزةً، وإنما يطالب الولي بالتزويج كيلا تنسب إلى الوقاحة، والثيب من باب أولى إذا كانت كبيرةً، فإنها تعقد على نفسها، أما الصغيرة سواءٌ أكانت بكرًا أم ثيبًا، فلوليها إجبارها على النكاح؛ لأن ولاية الإجبار تدور مع الصغر وجودًا وعدمًا.
وأما المجنونة فللولي إجبارها على النكاح مطلقًا، وهذا باتفاقٍ[14].
<font size="5">
[1] انظر عبدالمجيد النجار، نحو منهج أصولي لفقه الأقليات المسلمة، بحث منشور بالمجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، العدد الثاني، 1424 هـ - 2003 م، ص 61.
[2] المصدر السابق، ص 59.
[3] رواه البخاري بلفظ مختلف، الجامع الصحيح، رقم 3518، وكذا مسلم، الصحيح، رقم 2584.
[4] رواه البخاري بلفظ مختلف، الجامع الصحيح، رقم 126 و1586، وكذا الهيثمي، مجمع الزوائد، 3/ 294.
[5] رواه البخاري، الجامع الصحيح، رقم 6025، ومسلم، الصحيح، رقم 285.
[6] علَّه يقصد حديث: ((إن هذا الدِّينَ متين، فأوغل فيه برفق؛ فإن المُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى))، الذي رواه البزار، الأحكام الشرعية الكبرى، 3/ 264، ورواه أيضًا الدارقطني، المقاصد الحسنة، رقم 458.
[7] الشاطبي، الموافقات، ج 4، ص - ص 194 - 198.
[8] أخرجه أبو داود (2 / 568 - ط عزت عبيد دعاس)، وأحمد (4 / 394 - ط الميمنية)، وقال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم (المستدرك 2 / 170 - ط دائرة المعارف العثمانية).
[9] أخرجه أبو داود (2 / 568 - ط عزت عبيد دعاس، والترمذي 3 / 407 ط عزت عبيد دعاس)، وصححه ابن معين كما في الكامل لابن عدي (3 / 1115 - ط دار الفكر).
[10] أخرجه ابن ماجه (1 / 606 - ط الحلبي)، والدارقطني (3 / 228 ط دار المحاسن)، واللفظ للدارقطني، وإسناده حسن؛ (التلخيص لابن حجر 3 / 157 ط شركة الطباعة الفنية).
[11] جواهر الإكليل 1 / 278، والمهذب 2 / 38، ونهاية المحتاج 6 / 219، 223، 224، والمغني 6 / 486، 488، 490، 493، وشرح منتهى الإرادات 3 / 13، 14، ونيل الأوطار 6 / 120 - 121.
[12] أخرجه البخاري (الفتح 9 / 194 - ط السلفية).
[13] أخرجه بهذا اللفظ الدارقطني (3 / 240 ط دار المحاسن)، وأخرجه مسلم (2 / 1037 ط الحلبي) بلفظ: "الأيم".
[14] الموسوعة الفقهية الكويتية، ج 11، ص، ص 253 - 254.
<font size="5">
<font size="5">
الموضوع الأصلي
.gif)
" />