|
#1
|
|||
|
|||
|
لا تدعوا مع الله أحدا
لا تدعوا مع الله أحدا
إنَّ في هذه الدنيا مصائِبَ ورَزَايا، ومِحَنًا وبلايا، آلامٌ تَضيق بها النُّفوس، فكم في الدنيا مِن عَين باكية! وكم فيها من قلب حزين! تلك هي الدنيا، تُضحِك وتُبكي، وتجمع وتشتِّت، شدةٌ ورخاء، وسرَّاءُ وضراء. فهؤلاء إلى مَن يَشْكون؟ وأيديَهم إلى مَن يَمُدُّون؟ يجيبك واقعُ الحال: إلى بشرٍ مثلِهم يتردَّدون، وللعبيد يتملَّقون، يَسألون ويُلِحُّون، وفي المديح والثناء يتقَلَّبون، وربما على السَّحَرة والكَهَنة يتهافتون. أوَّلاً: القرآن: قال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ ﴾ [الأحقاف: 5 - 6]. حَكَم الله بأنه لا أضَلَّ ممن يدعو مِن دون الله مَن لا قدرة لهم على إجابتهم؛ بل وإذا حُشر الناسُ يومَ القيامة كان هؤلاء الذين دُعوا من دون الله لهم أعداءً، وكانوا بعبادتهم كافرين! ويؤكِّد هذا المعنى قولُه - تعالى -: ﴿ وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: 106 - 107]. نَهى اللهُ رسولَه - صلى الله عليه وسلم - أنْ يدعُوَ أحدٌ مِن دون الله ما لا ينفعه ولا يضرُّه، والمراد كل ما سِوى الله؛ فإنهم لا ينفعون ولا يضرون، كما قال - تعالى -: ﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴾ [الجن: 18]. ثانيًا: السنة: عن ابن عباس قال: كنت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فقال: ((يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احْفَظ الله يحفظْك، احفظ الله تجِدْه تُجَاهَك، إذا سألْتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله، واعلم أنَّ الأمة لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعت الأقلام، وجَفَّت الصُّحف)) لأجْل هذا أُمرنا أن نسألَ الله كلَّ شيء، فندعُوَه في الرخاء، ونستغيثَ به في الشدة، وهذا هو الفرق بين الدُّعاء والاستغاثة، التي هي طلب إزالة الشِّدة، فالدعاء أعَمُّ مِن الاستغاثة. عن أبي ذَرٍّ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما روى عن الله - تبارك وتعالى - أنه قال: ((يا عبادي، كُلُّكم ضَالٌّ إلا مَن هديتُه، فاستَهْدوني أَهْدِكم، يا عبادي، كلُّكم جائع إلا مَن أطعمتُه، فاستطْعِموني أُطعِمكم، يا عبادي، كلكم عارٍ إلا مَن كسوتُه، فاستكْسُوني أَكْسُكم، يا عبادي، إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم)). عَن أَنَسٍ، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لِيَسأل أحدُكم ربَّه حاجته، أو حوائجَه كلَّها، حتى يسألَه شِسْعَه إذا انقطع، وحتى يسأله المِلح)). فمِن هذه النصوص وغيرِها نَعلم أننا نحتاج أنْ نستغيث بالله لا بغيره، خاصةً في ظل ما يمر بنا من ابتلاءات، كما قال - تعالى -: ﴿ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾ [الأنعام: 42]، وكما قال الله - تعالى -: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ﴾ [الأنفال: 9] ثالثًا: نُموذج مُضِيء: عن ابن عبَّاس قال: حدَّثني عمرُ بن الخطَّاب قال: لمَّا كان يومُ بدر نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المشركين، وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُمِائة وتسعَةَ عشَرَ رجلاً، فاستقبل نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم - القبلة، ثمَّ مدَّ يديه، فجعل يهتِف بربِّه: اللَّهمَّ أنجزْ لي ما وعدتَني، اللَّهمَّ آتِ ما وعدتني، اللَّهمَّ إنْ تَهلِكْ هذه العصابة مِن أهل الإسلام لا تُعبَد في الأرض. فما زال يَهتف بربِّه مادًّا يديه، مستقبِلَ القبلة، حتَّى سقط رِداؤه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثمَّ الْتزمه مِن ورائه وقال: يا نبيَّ الله، كفاك مُناشدتك ربَّك؛ فإنَّه سيُنجز لك ما وعدك، فأنزل الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿ إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ ﴾ [الأنفال: 9]. فأمدَّه الله بالملائكة. قال ابن عبَّاس: بينما رجُلٌ مِن المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثَر رجل مِن المشركين أمامه، إذ سمع ضربةً بالسَّوط فوقه، وصوتَ الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامَه فخَرَّ مستَلْقِيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفُه، وشُقُّ وجهُه كضربة السَّوط، فاخضرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاريُّ فحدَّث بذلك رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((صدقْتَ، ذلك مِن مَدد السَّماء الثَّالثة))، فقَتلوا يومئذٍ سبعين، وأسَروا سبعين. هل نحنُ نَعمل بمقتضى ما سمعنا من كلام ربِّنا وهدْي نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم -؟ نسأل الله ذلك، ولكنْ بالنظر في حياتنا نجد البَوْنَ شاسِعًا. رابعًا: نموذج مظْلِم: في غفلةِ جُموعٍ كثيرة مِن الأُمَّة عن حقيقة دينها، نبتَتْ شَبَكة واسعةٌ مِن القبور والأضرحة، عَمَّت معظم أنحاء العالم، ولكي نُدرِكَ حجْمَ المأساة، فإن في مصر وحْدَها - ما يزيد عن سِتَّة آلافِ ضريح، وفي القاهرة وحدها ما يزيد عن 5600 ضريح! فهل عِند هذه الأضرحة والقبور يُعبدُ الله أو يُعبد غيره؟ أو تُقَدَّم النُّذور للموتى، بل ويُسأل مَن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا؟! مثال: قول البوصيري: يَا أَكْرَمَ الْخَلْقِ مَا لِي مَنْ أَلُوذُ بِهِ سِوَاكَ عِنْدَ حُدُوثِ الْحَادِثِ الْعَممِ وَلَنْ يَضِيقَ رَسُولَ اللَّهِ جَاهُكَ بِي إِذَا الْكَرِيمُ تَحَلَّى بِاسْمِ مُنْتَقِمِ فَإِنَّ لِي ذِمَّةً مِنْهُ بِتَسْمِيَتِي مُحَمَّدًا وَهْوَ أَوْفَى الْخَلْقِ بِالذِّمَمِ إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعَادِي آخِذًا بِيَدِي فَضْلاً وَإِلاَّ فَقُلْ يَا زَلَّةَ الْقَدَمِ ففي هذه الأبيات نَفَى أن يكون له مَلاذٌ إذا حلَّتْ به الحوادث إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ذلك إلا لله وحده، ودَعا وتضرَّع للنبي، وكذبَ على اللهِ ورسولهِ - صلى الله عليه وسلم - في دَعْواه أنَّ الاشتراك في الاسم يُنجيه، فليس بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين مَن اسمه محمدٌ ذمَّة إلا بالطاعة، لا بمجرَّد الاشتراك في الاسم مع الشرك. عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - حين أَنزل الله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]، فقال: ((يا معشر قريش - أو كلمةً نحْوَها - اشتروا أنفسكم، لا أُغْني عنكم من الله شيئًا، يا بَني عبدمَناف، لا أغْني عنكم مِن الله شيئًا، يا عباس بنَ عبدِالمطلب، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفيةُ عمةَ رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد، سَليني ما شئتِ مِن مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا)). مثال آخر: قول البرعي: أَرْجُوكَ فِي سَكَرَاتِ الْمَوْتِ تَشْهَدُنِي كَيْمَا يَهُونَ إِذِ الْأَنْفَاسُ فِي صعدِ وَإِنْ نَزَلْتُ ضَرِيحًا لاَ أَنِيسَ بِهِ فَكُنْ أَنِيسَ وَحِيدٍ فِيهِ مُنْفَرِدِ وقولُه: يَا سَيِّدِي يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا أَمَلِي يَا مَوْئِلِي يَا مَلاَذِي يَوْمَ يَلْقَانِي هَبْنِي بِجَاهِكَ مَا قَدَّمْتُ مِنْ زَلَلٍ جُودًا وَرَجِّحْ بِفَضْلٍ مِنْكَ مِيزَانِي وَاسْمَعْ دُعَائِيَ وَاكْشِفْ مَا يُسَاوِرُنِي مِنَ الْخُطُوبِ وَنَفِّسْ كُلَّ أَحْزَانِي فَأَنْتَ أَقْرَبُ مَنْ تُرْجَى عَوَاطِفُهُ عِنْدِي وَإِنْ بَعُدَتْ دَارِي وَأَوْطَانِي فَامْنَعْ جَنَابِي وَأَكْرِمْنِي وَصِلْ نَسَبِي بِرَحْمَةٍ وَكَرَامَاتٍ وَغُفْرَان إذا سمعتَ هذا، فما الفرق بين كلام البرعي وبين ما ادَّعتْه النصارى في عيسى - عليه السلام -؟! إلا أنَّ أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطْلِقه، ولكنْ أتى بلُبَاب دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم. وازِن بين هذا وبين ما أخرجه البخاريُّ من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ أنه سَمِع عمرَ - رضي الله عنه - يقول على المنبر: سمعتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبْدُه، فقولوا: عبْدُ الله ورسولُه)). |
|
#2
|
|||
|
|||
|
جزاك الله خيرالجزاء وبارك الله فيك
__________________
|
|
#3
|
|||
|
|||
|
اسأل الله العظيم
أن يرزقك الفردوس الأعلى من الجنان. وأن يثيبك البارئ خير الثواب . دمت برضى الرحمن
__________________
صرخة وطن . وطني ينزف دما بكل مافي عيني من الدموع |
![]() |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| معرفة الله من خلال أسماء الله الحسنى | عاشقة الروح | الاعجاز العلمى في القرآن الكريم والسنة النبوية | 5 | 01-15-2020 03:11 AM |
| اناشيد اسلامية دينية الله الله يا مولانا | مهرة الخليج | الصوتيات فيديو و فلاشات الاسلامية | 1 | 09-25-2019 08:57 AM |
| منتخبنا الوطني امام المنتخب اللبناني 1/5 الله الله كم انت كبير ي منتخبنا | ابن صنعاء | الرياضة العالمية والعربية والسعودية وكل مايخص الرياضة | 2 | 09-23-2019 10:45 AM |
| طّيب الله البَقاء.. عمّر الله الأثَر .. | خواطر | نبضات اسلامية | 2 | 09-17-2019 02:14 PM |